نوفل ابو رغيف** دكتوراه فلسفة في الأدب العربي (نقد النقد)/ رئيس تحرير مجلة الاقلام/ اعلامي/ اكاديمي/شاعر عراقي / اصدر ثلاث مجموعات شعرية و أربعة كتب في النقد /أسس مع مجموعة من المثقفين (أتحاد أدباء وكتاب بغداد) / نشر العديد من اعماله ودراساته في صحف ومجلات عراقية وعربية ودولية** المتحدث الرسمي لبغداد عاصمة الثقافة العربية/ مدير عام دار الشؤون الثقافية العامة / مدير عام دائرة السينما والمسرح
3
blank
66
a22

صور شخصية

الدراسات والبحوث

الشعر

التوقيت

محرك البحث

الشعرية .. اختيار الموضوع الصعب

قراءة في كتاب (المستويات الجمالية في نهج البلاغة)(*) لنوفل أبو رغيف

 



 زيد الشهيد

ظلت الشعريةُ مصطلحاً عصياً على الباحثين في ماهيّتها قصد الوصول إلى وضعها في قالب اصطلاحي محدد يمكّن المتلقي من إدراك فهمِه واستخدامِه بالطريقةِ التي لا تخلق تشوشاً في ذهنيته. وغدت الشعريةُ ضمن وعاء اللغة ((من أكثر المفاهيم الأدبية تعقيداً)) جراء الخلط بينها وبين الشعر(1)، ولكن ((إذا كان مفهوم الشعرية يقترب من مفردة الشعر كمصدر لغوي يُبنى على ثبت الأحرف المشتركة بين المفردتين (... فإنها) تنأى تدريجياً عن بنية الشعر، ساعية للتمثل بطابع خاص يحددها وحدها ولا يقربها من الشعر سوى التداعي بنظرته الموحية إلى استذكار شيء بعيد بشيء ماثل))(2). لذلك يمكن اعتبار الشعرية ((شذا ينثر موسيقاه، أو نغماً يبعثر أرائجه بين ثنايا المفردة وعطفات الجملة.(...) أولجت دهشة التحليق في نسيج اللغة النثرية، وأظهرت النثرية رحلة متعوية هادفة تؤكد جوهرها من متواليات التتبع القرائي المستمر والحثيث، والذي لا تنتهي الرغبة منه بمجرد اختتام صولة القراءة الأولى))(3) اعتماداً على لغة لا نحسبها ((مجرد نظام أشاري، أو مجرد وسيلة سلبية تنعكس الحياة فيها، وإنما هي وسيلتنا لبث النسق والنظام في الحياة نفسها.))(4) ذلك أن اللغة وعاء كبير لا حدود لاتساعه، ولا قياس لعمقه. فيه تسكب الأفكار وتذوب وتتمازج لتنتج أفكاراً أخرى جديدة تصب في مجرى سعي الإنسانية لتحقيق ذاتها التي تمثل عصرها تواصلاً مع عصر سيأتي تستمر فيه اللغة وسيلة مُثلى لهذا التواصل وأداة مكينة على التعبير.

ولغة الأديب تشكِّل فرعاً ثرّاً من شجرة اللغة الأم ذات الفروع الكثيرة، الوفيرة المتشابكة يكون فيها عطر الأدب وجذوته ومساره عامل غواية، ذلك أنَّ له بلاغة قادرة على تشظّي فكرة القائل، ومبعثرة لخلاصة القول. وفي هذا الصدد يشير أبو رغيف في معرض مقاربته للغة الإمام علي في كتابه قيد بحثنا والموسوم بـ(المستويات الجمالية في نهج البلاغة – دراسة في شعرية النثر) مع اللغة الأدبية السائدة التي تمتاز بالشعرية السابحة في هُلام البلاغة حيث يرى أنَّ الإمام علي كان بليغاً يمتلك البلاغة لغةً وتعبيراً لكنه لم ينجر إلى غواية البلاغة التي تطيح بالصراحة التي يعهدها المتلقي فيه ولا الحقيقة التي تمثل مسلكاً جوهرياً في تعامله الحياتي فـ " قد تجاوزت لغة نهج البلاغة هذه الخشية (الغواية) عن طريق الموازنة بين كلا الطرفين (الصراحة والحقيقة) مما لا يدع مجالاً لصدارة جانب وتفوقه على حساب الآخر(5).

واللغة بعمومها تتوخى "الخلق الفني" المميز، ذلك الذي يبنى على أساسين " نفسي" ينبعث من أعماق تسعى لتجسيد رؤى تأخذ بالإنسانية صوب البناء الخلاّق بأسس الصدق القويم، وارتفاعاً بآجرات الفعل الحسن العميم، ونكران الذات المتوالي. و"تحليلي" يجسد أغوار الناس وفهم حاجاتهم، واستقراء تطلعاتهم، ومن ثم استنباط ما يعينهم على سلوك مرضاة الله فوزاً بالمكافأة الأبدية، تلك التي تمنحهم الخلود في جنان من اليفاعة والهناءة والعيش الرغيد(6).

وهذا الخلق " النفسي والتحليلي" قادم من قائد كبير " يُسهِم في تعزيز الرؤية والنظرة إلى خلفيته بوصفه مثقفاً كبيراً وعالماً من طراز مميز"(7).

والباحث نوفل أبو رغيف يرى أن لغة نهج البلاغة بما تحمله من شعرية وثراء أدبي جاءت على جدلية موت اللغة وانبعاثها من جديد منذ زمن انوجادها على لسان الإمام علي حتى اليوم؛ منطلقاً من أن "اللغة الشعرية هي موت اللغة وانبعاثها من جديد على يد المبدع الذي يخلق طينتها" (8) فيقف مع الرأي القائل أن ((اللغة الشعرية تحطم اللغة العادية لكي تعيد بناءها ثانيةً في أنساق تركيبية وعاطفية جديدة))(9) مثلما يقف إلى جانب الآراء التي ترى أن الإمام علي كان موسوعياً في معرفته وقد خبرته الحياة فمنحته سعة في الرأي وادراكاً للماحول مثلما استلهم من ابن عمه الرسول الأعظم الذي قال يوماً (أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها) فيتوجه المؤلف إلى إقرار حقيقة أن علياً كان موسوعياً " في ثقافته ومعرفته وتمكنه من زمنه إذ " تحدث عن الاقتصاد، وعن الاجتماع، وعن التاريخ، وخاض غمار الفلسفة والسياسة والحرب وأعطى دروساً في التربية وعلم النفس"(10) وهذه الصفات تشي بحقيقة أنِّ اللغة بفروعها التي تضم المصطلحات والأساليب، والتراكيب الخاصة بكل فرع تحتشد ثرية مكتنزة على لسانه، يستطيع التحدث بأيما فرع من هذه الفروع بتمكّنٍ واقتدار ودراية.

 

نصوص نهج البلاغة.. الدراسة والتناول

يشير الباحث إلى أنَّ الدخول لعوالم نهج البلاغة بوصفها نصوصاً أدبية تتطلب دراستها وفق طريقتين " تنطلق الأولى من تصور أن الجوهر الفني مستقر في النص فتركز عناية الدارس على القوانين الداخلية التي تحكم النتاج الفني ص30. والطريقة الثانية " تعنى النظر إلى العمل كما لو كان جزءا من كل، وكما لو كان تعبيراً عن ما هو أكثر أهمية من النص نفسه، كشخصية المبدع ووجهته النفسية في العمل او موقفه الاجتماعي أو السياسي. " ص30

ولا يجد الباحث ضيراً، ولا تواجهه عوائق ومعرقلات في مسألة تناول المادة القديمة العائدة لعصور خلت بأدوات وأفكار حديثة بحيث لا تتوالد هوّة تفسد التناول، و تنبثق حالة انفصام تطيح بهيبة التداول ؛ مشيراً إلى أن " العلاقة المتينة بين الحداثة الغربية والعراقة العربية هي التي جعلت الشاعر أدونيس لا يجد مفارقة في قوله : إن حداثة الغرب (المتأخرة) هي التي جعلته يكتشف حداثة العرب (المتقدمة). ص32

 

الجمالية .. بوصفها قيمة الشيء

إذا كان الجمال هو قيمة الأشياء التي ينتجها مبدع ما فإن الجمالية هي استكناه لجوهر الأشياء وإظهاره إلى العلن من خلال تقديمه كمحصلة لجهد يستدعي كشف ما هو دفين وغير ظاهر أمام العين الناظرة. وفي اللغة يتجه الجمال إلى أن يكون فناَ يجيده الفنان اللغوي، المبدع الذي اكتسب مهارة فهم اللغة فاستطاع أن يقدمها لتكون جميلة، مؤثرة، باهرة .

وفي موضوعة المستويات الجمالية التي درسها أبو رغيف وقدمها إلى القارىء بهيئة كتاب يرى " أنَّ اللغة الفنية التي استخدمها الإمام علي مكثفة بشكلِ يحوّلها إلى لغة جمالية محضة تغرق في غابة من الصور التشبيهية والتمثيلية والاستعارية والرمزية والاستدلالية والتضمينية ... إلخ وتحتشد بإيقاعات هائلة تتناول كل مفردة ." ص28 وهو مصيب في ذلك . فمن يدخل إلى عالم الإمام اللغوي سيكتشف ذلك النظام والتناسق في القول المفعم بكل الدلالات الصورية التي تخلق جمالية خاصة تميزه في خطاباته النثرية.

 

فحوى الكتاب

جاء الكتاب الذي حمل عنوان (المستويات الجمالية في نهج البلاغة) وهو (دراسة في شعرية النثر) لدى الإمام علي بـ (مقدمة)، و(أربعة أقسام) كانت موضوعاتها على التوالي (القسم الأول: ثقافة الإمام علي "عيه السلام".., القسم الثاني: حول كتب نهج البلاغة "إضاءة تمهيدية".. القسم الثالث: مهاد تنظيري في الشعرية.. القسم الرابع : القراءة الخارجية " المنهج والكتاب " )، في حين جاء الكتاب بـ (ثلاثة فصول) انتهت بـ ـ (خاتمة).

 

 

 

الفصل الأول

وقد قسمه الباحث إلى توطئة وخمسة مباحث على التوالي: نسق التكرار/ نسق التضاد/ نسق التقابلات والتناضر الإيقاعي/ نسق السجع والجناس المزدوج/ أما المبحث الخامس فكرَّسه للخطبة الشقشقية للإمام علي جاعلاً منها أنموذجاً تحليلياً عاماً كما فعل في كل فصل من فصول الكتاب.. وفي التوطئة أشار الباحث إلى الصوت الذي يأتي على نبرات ترداد المفردات والتراكيب بوصفه صوتاً وإيقاعاً حيث جعل أهميته تكمن " في قدرته الإيحائية التجريدية وفي ما يكونه في النفس المتلقية من صور ورؤى يهتز لها السامع " ص62. وإذا كان الصوت له التأثير في الشعرية السائدة قديماً وحديثاً فإن الإيقاع يبدو حديثاً كمصطلح لم يسبق أن استخدم في الدراسات القديمة.

في (نسق التكرار) موضوعة المبحث الأول المبني على " شعرية صوتية " تؤكد الشعرية وجودها على تكرار المفردات حيث تتوالى بتنغيم بقدر ما تثير اهتمام المتلقي المستمع حين تأتي ضمن سياق خطابي شفاهي بقدر ما تجعله يتحفَّز لترديدها كنغمة تكرارية يسهل حفظها، ويُعمَل على تقليدها كنسق مفرداتي نغمي يشكِّل جدّة في الحدث وموسيقى في الكلام. والباحث يشير إلى خطبة الإمام علي التي ألقاها على المسامع يوم بويع في المدينة (والذي بعثه بالحق لتبلبلنَّ بلبلةً ولُتغَربَلُنَّ غَربلةً ولتُساطُنَّ سوطَ القدر أسفلكم أعلاكم وأعلاكُم أسفلَكم وليسبقنَّ سابقون كانوا قصروا وليقصُرنَّ سباقون كانوا سبقوا) وهي في الظاهر كلامٌ يبدو منتظماً نسقياً مبني على اشتقاقات لها مصدرها إلا أن ثمّةَ انزياحاً غير مألوف " في شبكة العلاقات التركيبية الصوتية وتوزيع التكرارات " ص65 شكَّلَ خلخلةً ولدت " انزياحاً عن المألوف والتكرار النمطي " ساهمت فيه الحروف المتكررة " على نحوٍ يسجل تناغماً منسجماً بين هذه الحروف - اعتبرها الباحث النوع الاول من التكرار - مما يمنح النص جوّاً إيقاعياً يُعزز شعريته " استناداً على جدول يوضح فيه الباحث استخدام حرف اللام تسع عشرة مرة _ الذي، بالحق، لُتساطُنَّ ... إلخ )، والباء اثنتا عشرة مرة (بعثه، بالحق، بلبلة، سباقون .... إلخ )، والسين ثمان مرات (لتساطن، أسفلكم، وليسبقنَّ... إلخ )، والواو ثلاث عشرة مرة (والذي، ولتغربلن، كانوا، ليقصرنَّ... إلخ)، والنون أربع عشرة مرة (لتبلبلنَّ، سابقون، كانوا ... إلخ) فيما التنوين مرتان (بلبلةٌ، غربلةٌ)، والقاف ثمان مرات (بالحقِّ، القدر... إلخ ) في حين جعل "المهيمنة على إيقاع النص" هو تكرار الكلمات تكراراً تغايرياً داخل الجملة كما في "سابقون" و "سباقون" كتأكيد " حالة التحذير والتذكير وتوكيد المستقبل القادم " احتوتها الخطبة للانتقال بالمتلقي إلى" قبول انعكاسات الرؤية الفلسفية للإمام حول الحياة ومصير نوعية من الناس معنية بالصورة التي رسمها " ص69

هذا التكرار الذي يشكل أحد مظاهر الإيقاع المؤثر سنجده في حديث عائلي والإمام على فراش الموت يخاطب ولديه الحسن والحسين ومن وراء قصده المسلمين جميعاً، فتندرج في وصيته على نحو متكرر مفردة " الله، الله " كنظرة جمعية في عدة مواضع وفي غير موضوع يجدها من مقومات سلوك المسلم وإدامة نور الإسلام. هذا التكرار يخص الأيتام/ الجيران/ القرآن/ الصلاة/ بيت الله/ الجهاد وهي مناحي تتكون لديه عماد شخصية المسلم الحق وأبجدية سلوكه القويم. وهي بتكرارها تحقق " دفعاً باتجاه تركيز الكلام حول الفكرة المراد إيصالها. " ص72؛ الفكرة التي تُسير محور وجوهر الكلام والتي إن استوعِبَت حققت مُراد قائلها، وأنقذت مترجمها.

إنَّ ثمّةَ تواشجاً بين فحوى الفكرة وتجسيدها؛ بين تقبلها وتطبيقها.. إن الكلام لقولٍ يُراد به صلة تواصل بين قائل وسامع، وهو محصلة إن قُبلت أتت بما ينفع، وإن رُفِضت أو أهملت جاءت بما يضر وما يكرس فضاء الضياع والخسارة ذات الثمن الباهض.

وفي المبحث الثاني (نسق التضاد) يُعلن الباحث أن التضاد نسقٌ يتواجدد بصورة ملفتة في (نهج البلاغة) حتى "لا يكاد نص يخلو من تجليات هذا النسق " والمقصود بالتضاد هنا هو المتعاكسات في المعنى، أي المتضادات وهي منظومة احتوتها اللغة العربية التي لا تقتصر لوحدها بهذا النسق إنما لغات العالم جميعاً ، ذلك أن لكل شيء مضاد له يعاكسه في المعنى حتى ليكاد من الصعب الإتيان بتوصيف ليس له ما يعاكسه دلالياً. وهذا التضاد يصب في " صالح جمالية التعبير عن الفكرة " ص74 من خلال إعطاء الكلمة وظيفة مؤثرة (موحية) في المعنى وربما في نبرتها ونغمها فيغدو مفتاحاً لتأثير المعنى، خالقاً من خلال أداء الكلمة مع أخواتها الكلمات إيقاعاً يتسلل تأثيره في ذات المتلقي لحظة التلقي، سواء جاء هذا التلقي سماعاً أو بصيغة حوارية مع النص.

والباحث أبو رغيف يتخذ من أحد أقوال الإمام علي تشريحاً في مختبر إثبات الغرض وتحقيق صدقية الرأي القائل بنسقية التضاد . يقول الإمام: (الوفاء لأهل الغدر غدر عند الله، والغدر بأهل الغدر وفاء عند الله). إن قراءة هذه المقولة وغيرها مما استشهد بها الباحث لتدفع بالمتلقي إلى التأني في القراءة والإبطاء في فهم القول. فالتضاد في المفردة أو العبارة يربك العملية العقلية ويجعلها تتوقف لبناء صياغة جديدة من المعنى تناهض وتُضاد الصياغة الأولى ؛ إذ تحتاج إلى وقت من اجل إعادة تحليلها وتأملها.

 

الفصل الثاني

قسّمَ الباحث هذا الفصل إلى مباحث تتعلق بـ "شعرية الإيجاز" و "شعرية كسر النظام" بـ - التقديم والتأخير والاعتراض وبضمنها شعرية الجملة الاعتراضية." و "شعرية التحويل الوظيفي (الاستفهام) و " شعرية التوكيد والحذف " و" شعرية المعجمة " و "عهد الإمام للاشتر النخعي كـ" أنموذج تحليلي عام ". وكما نرى فإنها ستة مباحث جهد صانعها في الغور داخل صميم بلاغة الإمام اللغوية بما احتوته من إيجاز يتحقق عبر متطلبات الحالة التي يفرضها الوضع التعبيري. والإيجاز يتحقَّق عادةً في التكثيف الحاصل جراء حاجة أن لا تزداد المفردات فتتسبب في جعل الكلام مهلهلاً والعبارات أقل انفتاحاً على التأويل. ومحصلة التكثيف كثيراً ما تقود إلى شعرية تكريس تأثيرها على المتلقي، صانعة لذاذةً في التقبّل، ورغبة في التتبّع، وهيمنة في التأثير.. ومن هنا تأتي مقولات الإمام علي سواء في خطبةٍ أو كلمة محلِّقة بجناح لذاذة شعرية عبر فضاء تقبّل مرغوب ومؤثِّر يحفر وجوده في ذائقة المتلقي عبر دلالات متعددة تقود إلى مدلولات منفتحة تفعل فعلها في المتلقي.

ويستشهد الباحث بتراكيب عديدة للإمام جاء فيها الإيجاز تكثيفاً للفكرة وانفتاحاً في المعنى ومنها ( أن الغاية أمامكم ، وإن وراءكم الساعة تحدوكم، تخففوا تلحقوا، فإنما ينتظر بأولكم آخركم.) ، و(أيها الناس لاتستوحشوا في طريق الهدى لقلة أهله، فان الناس قد اجتمعوا على مائدةٍ شبعها قصير وجوعها طويل.)، و( كفى بالمرء جهلاً أن لا يعرف قدره).

وفي مبحثه الثاني الذي توجّه إلى دراسة ( شعرية كسر النظام ) من خلال انزياحات " التقديم والـأخير والاعتراض " رأى الباحث أن استخدام الإمام علي للجمل الاعتراضية التي إحدى وظائفها التجاوز على المألوف بكسر نظام اللغة المعهود وإحداث خرق هو (تغيير يبحث عن الإحساس بجمالها واستحقاقها.) ص135، وان هذه الجمل الاعتراضية بالإمكان رفعها دون أن تؤثر على معنى القول في حالة (إذا اعتبرت الدلالة مجرد إيصال للمعنى ) ص141 مورداً بعض الأمثلة من مقولات الإمام، ومنها ( ثم جمع سبحانه من حزن الأرض وسهلها وعذبها وسبخها، تربةً سَّنها بالماء حتى خلصت ولاطها بالبلة حتى لزبت) فيشير إلى أن حذف تراكيب (من حزن الأرض وسهلها وسبخها) لتكون ( ثم جمع سبحانه تربةً سنها بالماء .. إلخ) لن يؤثر في المعنى؛ بل عدّها تراكيب (شعرية ترتفع بقيمة الكلام) ص141 وتمنحه زخماً من الوصول إلى دواخل المتلقي لتثبت فيها وتتوهج بين طياتها.. وفي (شعرية التحول الوظيفي) الذي يشكّل المبحث الثالث اتجه الباحث إلى اعتبار استخدام الإمام للاستفهام سمة ظاهرة تعكس وتوضح " التحول في الوظيفة في لغة نهج البلاغة " ص148 فيكون الاستفهام إما رسالة غير معتادة يضفي عليها سمة الانزياح لتتحقق الشعرية بجعل الرسالة أكثر تأثير في السامع، كما في قول يستشهد به الباحث للإمام وهو يخاطب الدنيا: ( أين القرون الذين غررتهم بمداعبك ، أين الأمم الذين فتنتهم بزخارفك ...) ص149 أو " وسيلة بلاغية يمكن استعمالها على غير الوجه الذي وضعت من اجله يمنح اللغة هوية استثنائية تنأى بها عن الجمود والعلمية والمنطق الصرف" ص152. وكلاهما ينتجان عن حاجة في الحصول على رد أو تقديم سؤال قصد إثارة انتباه المتلقي وجلب اهتمامه إليه حيث الإجابة تتكرس داخل سياق القول.. ويتناول المبحث الرابع ظاهرتي (التوكيد) و(الحذف) في الكلام، حيث تشكلان برأي الباحث "انزياحاً عن مألوفية واعتيادية السياق " ص158؛ في حين يعرض بمبحثه الخامس (شعرية المعجمة)، وهو مبحث مهم للمتلقي استطاع فيه الباحث تسليط الضوء على أهمية المعجم لما يتصف به من سعة وتنوع في المفردات تمنح حائزها مقدرة على التعبير المؤثر ومقدرة اللغة على الكشف عن ما يدور في الذهن، وما يُراد منها أن تؤدي فعلاً ايصالياً كونها وسيلة فعالة بين قائل/ مُرسِل، ومستمع/ متلقي. لها حين تتعطر بالشعرية قدرة كشف ((وجه الحقبة الزمنية (.. و) عرض ملامح البيئة التي احتضنت عملية انتاج النص (..و) التحولات التي شهدتها شخصية الذات المبدعة في مراحلها المختلفة )) ص162. وهنا يقسم الباحث الفضاءات المعجمية التي تحتويها نصوص الإمام بأربعة أقسام:

1-     (معجم الأمكنة والوقائع) ص 179، وهو ما يشير إلى عدد الأمكنة التي احتوتها النصوص.

2-     (معجم ألفاظ الطبيعة).

3-     (معجم الأعلام) ويتضمن أسماء وأعلام اقتضى حضورهم في سياقات النصوص.

4-     (معجم الموضوعات والمناسبات) وفيه شكَّلت فحوى النصوص تعبيراً عن هذه المناسبات والموضوعات.

ولقد صنف الباحث نصوص نهج البلاغة حسب طولها، فعدَّ النصوص "الطويلة جداً بـ " ثمانية وستين" سطراً؛ وأحصى " النصوص الطويلة " ووجدها بين " خمسة وأربعين " و " ثمانية وستين " سطراً؛ في حين اكتشف أن " النصوص المتوسطة الطول " تتراوح بين " خمسة عشر " و " خمسة وأربعين " سطراً ؛ والنصوص القصيرة تتراوح بين " سبعة " و " خمسة عشر سطراً ". أما النصوص القصيرة جداً فوجدها تحتل الجزء الرابع من نهج البلاغة وتتراوح بين " نصف سطر " و " بضعة اسطر ". ص178-ص179 حيث تأتي على شكل أقوال مأثورة معبرة عن حِكَم ونصائح ... وجهد الباحث في إعداد جداول توضيحية تسعى لتسهيل وصول القارىء إلى معلومات بحثه.

 

الفصل الثالث

ويتجه نحو شعرية الظواهر الدلالية تتشكل ثلاث مباحث على التوالي : (1) الدلالة المجازية (2) والدلالة الحقيقية، ثم يدخل المبحث الثالث ( خطبة الجهاد ) التي هي واحدة من شهيرات خطب الإمام كأنموذج تحليلي عام أيضاً. وفي هذا الفصل المتقدم بتوطئة يبدأها الباحث بطرح أهمية الدلالة في موضوعة الشعرية التي تسم الخطاب الفاعل والمؤثر في ذائقة المتلقي حين يدلف إلى الفحوى بغية الخروج بمدلول . فالدلالة لديه " العنصر الرئيس في تكوين الشعرية لكونها تمثل الناتج الذي يستخلص من الخطاب بمكوناته كلها التي يشغل الدال فيها موقع الخصوصية في أداء المعنى المراد إيصاله . " ص195

رأينا الباحث ومنذ بدء بحثه وتقديمه يعمد إلى عملية تفكيك البنى والخروج بسياقات جعلها من نسيج موضوعة بحثه تعتمد عليها الخطابات التي جعل منها مادة اختبار تنتهي بصلاحية وقدرة تعقبه على الوصول إلى الأهداف المتوخاة .

يُفرّع الباحث في مبحثه الأول من هذا الفصل الدلالة المجازية إلى فرعين/ سمّى الأول (شعرية التوازي الدلالي) وفيه يشير إلى أن ثمة علاقات تأخذ طابع التوازي بحيث يمر كل واحد بموازاة الآخر مع وجود تعالق بين الاثنين في المعنى " تتبدل بتبدل التراكيب والألفاظ مع خطين رئيسيين متوازيين في النص. " ص199

وتشغل هيكلية التوازي الكثير من خطب الإمام، وهيكلية تدخله ضمن دائرة الأسلوب تضمه ضمائر متجانسة في التركيب لكنها متوازية في الصورة التي يُشتق منها:(1) توازي في المعنى، و(2) توازي في البنية) حيث يذهب الباحث إلى أن هذين المتوازيين يقودان إلى " توازيات صوتية في القافية والإيقاع. " ص199 . ويورد أمثلة على ذلك : (مللتهم / ملّوني) و (سئمتهم/ سئموني) و( أبدلني بهم / أبدلهم بي) و( خيراً منهم/ شرّاً مني).

وفي مساري التوازي المبني أصلاً على الفكرة والتركيب والإيقاع والذي يحفل به خطاب الإمام ثمة توازٍ ذو (مفردات ايجابية في سياق سلبي والعكس صحيح ) ص200 وهو سياق لغوي مفهومي يجيء ليعمق الفكرة ويطرح نقداً تتبارى فيه مصطلحات الايجابية في توازٍ مع السلبية فتقدم سياقاً لغوياً يجعل المتلقي في حالة توقد وتحفيز الملكة للوصول إلى مفهوم إيضاحي حيث التوازي المبني على التضاد هنا بين إيجاب وسلب أو بالعكس يوصل إلى استنتاج واضح بعد محاولة تفسير صعبة بنائياً ويسيرة – في ما بعد – مفهومياً .ويورد الباحث مثالاً ( بمعصيتكم إمامكم في الحق ، وطاعتهم إمامهم في الباطل ) ص201 وهي صياغة لغوية تولد بنى مفرداتية تشكل بمجملها تعقيداً في الفهم أولا ثم تيسيراً في النهاية بعد التفكيك السمعي – طويلاً – والقرائي – تأنيّاً – تخرج منها التوازيات : (معصيةً // بتوازٍ مع طاعةً) و (الحق // الباطل) في تعالق مع محور صاحب العلاقة : الإمام – المُخاطِب - بتوازٍ مع إتباعه – الُخاطَب -.

وينتقل الباحث إلى درجة أخرى للتوازي، ومنها (ظاهرة الحذف التركيبية) و(خط التوازي المفارقي) ويورد أمثلة على ذلك: (بأدائهم الأمانة إلى صاحبهم – وخيانتكم) و (بصلاحهم في بلادهم – وفسادكم) ص201

 

رؤية ختامية

وأخيراً ينبغي الإشارة إلى أن الباحث نوفل أبو رغيف وهو شاعر حداثي مرموق كان ذكياً بتفكيكه لبنى الخطابات واستخراج المعاني والمفاهيم بالتعامل مع المفردة والدخول إلى ماهية العبارة لاستقطار شعريتها مستخلصاً منها (له) معانٍ تميَّز في اكتشافها ما يعمق مفهوم القراءة الحداثية التي تشير إلى أن " القراء يصنعون المعاني " بناء على مستويات الثقافة التي يمتلكون ووهج الوعي الذي يوظفون في إنارة وهدة المسارات المعتمة في النص ، تلك التي يصفونها بمناطق العمى التي لا يكتشفها إلا المتلقي الثاقب وتفوت حتى على خالق النص، كون النص له أوجه متعددة للقراءة ومناطق عمى خفية تتماهى مع تواجدات الإبهام في بعض من جسد النص. وهذا ما يجعلنا نقر أن "أبو رغيف" أفلح كثيراً في الدخول والخروج من هذا المنحى الذي سماه (دراسة في شعرية النثر) وتناوله لخطابات رجل امتلك اللغة وأثرى ذائقته ومساره الحياتي بثروة أشاد بها الكثيرون وحسده عليها الكثيرون حتى لغدت تلك اللغة المنثورة من فمه جميلة وناصعة كلؤلؤ يبحث عنه الغواص اللهيف للصيد في بحر اللغة الوسيع . وكتاب مميز كهذا ليستحق الدراسة وليستحيل مرجعاً مهماً من مراجع الأدب العربي من جهة وفهم واستيعاب ودراسة اللغة العربية من فم الإمام علي حين ينطق، وساعة يكتب.

 

السماوة

15/2/2009

 

هوامش

     (*)المستويات الجمالية في نهج البلاغة – دراسة في شعرية النثر – نوفل أبو رغيف – دار الشؤون الثقافية العامة – بغداد - 2008

  1. (1)اللغة الشعرية في الخطاب النقدي العربي – محمد مبارك – دار الشؤون الثقافية العامة - بغداد -1993 – ص10
  2. (2)من الأدب الروائي – زيد الشهيد – دار الشؤون الثقافية – 2008 - التعطر بالشعرية – ص101
  3. (3)المصدر السابق .
  4. (4)د. جابر عصفور – الصورة الفنية في التراث النقدي – المركز العربي للثقافة والعلوم 1982 – ص353
  5. (5)المستويات الجمالية – ص18
  6. (6)انظر المستويات الجمالية – ص21
  7. (7)المصدر السابق – ص24
  8. (8)المصدر السابق – ص23
  9. (9)اللغة الشعرية – محمد مبارك – ص15
  10. (10)المستويات الجمالية – ص21
  11. (11)المصدر نفسه – ص24
  12. (12)المصدر نفسه – ص23

(10) المصدر نفسه – ص24

 

a

2222

4444

msg111

مكتبة الفيديو

aa

قصائد شعرية

aliraqaaa

لقاء مع قناة العراقية

alahad

قناة العهد الفضائية

alforat

قناة الفرات الفضائية

aletgahhhh

قناة الاتجاه الفضائية

rasheed.jpg

قناة الرشيد الفضائية

aaaaa

محمد علي الخفاجي 

 

photo

لقاء مع قناة افاق

som

قناة السومرية

 

نتزيل الكتاب